صديق الحسيني القنوجي البخاري

16

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَ جعل فيها عَلاماتٍ هي معالم الطرق جمع علامة وفي المصباح أعلمت على كذا بالألف من الكتاب وغيره جعلت عليه علامة وأعلمت الثوب جعلت له علما من طراز وغيره وهو العلامة وجمع العلم أعلام مثل سبب وأسباب وجمع العلامة علامات وعلمت له علامة بالتشديد وضعت له إمارة يعرف بها ، والمعنى إنه سبحانه جعل للطرق علامات يهتدون بها . وَبِالنَّجْمِ المراد به الجنس هُمْ يَهْتَدُونَ به في سفرهم ليلا ؛ وقرأ ابن وثاب وبالنجم بضمتين والمراد النجوم فقصره أو هو جمع نجم كسقف وسقف وقيل المراد بالنجم هنا الجدي والفرقدان ، قاله الفراء . وقيل الثريا وبنات نعش وقيل العلامات الجبال ، وقيل هي النجوم لأن من النجوم ما يهتدى به ومنها علامة لا يهتدى بها . وذهب الجمهور إلى أن المراد في الآية الاهتداء في الأسفار ، وقيل هو الاهتداء إلى القبلة ، ولا مانع من حمل ما في الآية على ما هو أعم من ذلك . قال الأخفش : تم الكلام عند قوله : وَعَلاماتٍ وقوله : وَبِالنَّجْمِ الخ كلام منفصل عن الأول . قال السدي : علامات النهار الجبال وعلامات الليل النجوم . وقال ابن عباس : معالم الطرق بالنهار الجبال ويهتدون بالنجم بالليل ، قال قتادة : إنما خلق اللّه النجوم لثلاثة أشياء . لتكون زينة للسماء ومعالم الطرق ورجوما للشياطين ، فمن قال غير هذا فقد تكلف ما لا علم له به . ثم لما عدد الآيات الدالة على الصانع ووحدانيته وكمال قدرته أراد أن يوبخ أهل الشرك والعناد فقال : أَ فَمَنْ يَخْلُقُ هذه المخلوقات العجيبة العظيمة والمصنوعات الغريبة الجليلة ويفعل هذه الأفاعيل العجيبة المرئية بالعيان كَمَنْ لا يَخْلُقُ شيئا منها ولا يقدر على إيجاد واحد منها ، وهي هذه الأصنام التي يعبدونها ويجعلونها شركاء للّه سبحانه . وأطلق عليها لفظ فَمَنْ إجراء لها مجرى أولي العلم جريا على زعمهم بأنها آلهة أو مشاكلة لقوله : أَ فَمَنْ يَخْلُقُ لوقوعها في صحبته أو هو من عكس التشبيه . وفي هذا الاستفهام من التقريع والتوبيخ للكفار ما لا يخفى ، وما أحقهم بذلك فإنهم جعلوا المخلوقات شريكا لخالقه ، تعالى اللّه عما يشركون . أَ فَلا تَذَكَّرُونَ مخلوقات اللّه الدالة على وجوده وتفرده بالربوبية وبديع صنعته فتستدلون بها على ذلك ، فإنها لوضوحها يكفي في الاستدلال بها مجرد التذكر لها لا يحتاج إلى دقيق الفكر والنظر ، قال قتادة في الآية : اللّه هو الخالق الرازق ، وهذه